أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

440

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

220 - لا تزكّينّ واردا لا تعلم ثمرته ، فليس المراد من السحابة الأمطار ، وإنما المراد منها وجود الأثمار . قلت : ثمرة الوارد هو هدم العوائد ، واكتساب الفوائد ، والتخلية من الرذائل ، والتحلية بالفضائل . وإن شئت قلت : ثمرة الوارد الصادق هو ما ينشأ عنه من الذلة والانكسار ، والخشوع والسكينة ، والوقار والحلم ، والزهد والسخاء والإيثار ، والتخلص من رق الشهوات الجسمانية ، والعوائد النفسانية ، والخروج من سجن الأكوان ، والترقي إلى فضاء الشهود والعيان ، والتحرر من يد الأغيار ، والتمحض إلى تحقيق المعارف والأسرار ، وكل هذا قد تقدم للمؤلف مفرقا . قال في أول الكتاب : أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا ، أورد عليك الوارد ليتسلمك من يد الأغيار ، وليحررك من رق الآثار ، أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك ، وقال فيما تقدم قريبا : متى وردت الواردات الإلهية إليك هدمت العوائد عليك ، وقال أيضا : الوارد يأتي من حضرة قهار لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه . فإذا ورد عليك وارد ولم يترك فيك هذه الخصال فلا تزكه ، واتهم نفسك فيه لئلا يكون شيطانيّا ، فإن الوارد الإلهي تعقبه برودة وسكون ، وزهد وطمأنينة وفترة ، والوارد الشيطاني تعقبه حرارة وقساوة ، وتكبر وصولة ورؤية نفس ، فليس المراد من الحال فرحه وخفته وشطحته ، إنما المراد منه ثمرته ، فهو كسحابة الأمطار ، فليس المراد منها وجود الأمطار ، وإنما المراد ما ينشأ عنها من وجود الأثمار ، فلا تطلب بقاء الحال فقد يكون بقاؤه ضررا لك ، فإن دوام الأمطار يعود نفعها ضررا ، وإلى ذلك أشار بقوله : 221 - لا تطلبنّ بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها ، وأودعت أسرارها ، فلك في اللّه غنى عن كل شيء ، وليس يغنيك عنه شيء . قلت : طلب الشئ يدل على محبته ، ومحبة الشئ عبودية له ، والحق تعالى لا يحب أن تكون عبدا لغيره ، فلا تطلب معه حالا ولا مقاما ، فإن وردت عليك الأحوال وهي الواردات الإلهية ثم انقشعت وانصرفت فلا تطلب بقاءها بعد أن بسطت في قلبك أنوارها ، فأخرجت منه ظلمة